عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
468
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وتعظيمه ، وإجلاله والأنس به ، والمحبة له والشوق إلي لقائه ، والرضا بقضائه . فمتي سكن ذلك في القلب كان القلب حيًّا سليما ، وهذا هو القلب السليم ، الَّذِي لا ينفع يوم لقاء الله غيره ، ومتى فقد القلب ذلك بالكلية صار ميتا . فإن فقد بعضه كان سقيما بحسب ما فقده ، لا سيما إِن اعتاض عما فقده من ذلك ، بما يضاده ويخالفه . وإذا علم هذا ، فإن الله تعالى أمر عباده في كتابه ، وعلي لسان رسوله ، بجمع ما يصلح قلوب عباده ويقربها منه . ونهاهم عما ينافي ذلك ويضاده ولما كانت الروح تقوى بما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة ، وتحيي بذلك : شرع الله لعباده سماع ما تقوى به قلوبهم ، وتتغذى وتزداد إيمانا . فتارة يكون ذلك فرضا عليهم ، كسماع القرآن ، والذكر والموعظة يوم الجمعة في الخطبة والصلاة ، وكسماع القرآن في الصلوات الجهرية من المكتوبات . وتارة يكون ذلك مندوبا إِلَيْهِ غير مفترض ، كمجالس الذكر والمندوب إليها . فهذا السماع حاد يحدو قلب المؤمن إلي الوصول إلي ربه ، وسائق يسوقه ويشوقه إلي قربه ، وقد مدح الله المؤمنين بوجود مزيد أحوالهم بهذا السماع . وذم من لا يجد منه ما يجدونه ، فَقَالَ تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } ( 1 ) وقال تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ( 2 ) وقال : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } ( 3 ) قال ابن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين . خرجه مسلم ( 4 ) .
--> ( 1 ) الأنفال : 2 . ( 2 ) الزمر : 22 - 23 . ( 3 ) الحديد : 16 . ( 4 ) برقم ( 3027 ) .